المقال الأول

الحياة الأسريّة هي عالَم متكامل من الحقوق والواجبات والآداب فكلّما التزم واحدٌ من الأفراد بما عليه واجبات وآداب فإنّه يؤدّي إلى الباقي حقوقهم وهو ينال حقوقه كاملة إذا ما بادله الآخرون ذلك، وهذا لا يقف على الكيان الأسري فقط بل هو في كلّ العلاقات والروابط بين أفراد الإنسان إلا أنّ في العلاقة الأسريّة تشتدّ أهميّة رعاية الواجبات والآداب بل والصّدق والإخلاص فيها لما له من انعكاس بيّن على أفراد الأسرة بالدرجة الأولى وعلى المجتمع بالدرجة الثانية لما لهذه الأسرة من قدرة على مدّ المجتمع بالطّاقات الفعّالة التي تمدّه بالقوّة والطاقة وتأخذ بيده نحو الرّقي بين المجتمعات، وعلى العكس من ذلك فإن أُهمل ذلك كلّه أو بعضه فإنّه يؤثّر سلباً على هذا الكيان الصغير المتمثّل بالأسرة وعلى ما تنتجه للمجتمع، ويتأكّد أمر مراعاة الحقوق والواجبات والآداب من قبل الزوجين فهما اللذان يعوّل الأولاد عليهما في استقرار الحياة الأسرية وهما المسؤولان عن حلّ المشكلات والخلافات التي من الممكن أن تطرأ من قبل الأولاد أو التي تدخل عليهم من خارج البيت… فإذا لم يراعي هذان الطرفان ما ذكرنا -من رعاية الحقوق والواجبات والآداب- فإنّ هذه ستكون مشكلتهما الأولى التي سيعجزان عن حلّها، بل ستؤسس إلى مشاكل أخرى تعكّر صفو الحياة الأسرية وسينشغلان بهذه المشكلة عن تربية الأبناء تربية لائقة وسيبقى الأبناء في أحضان الغير يأخذان منه ما يفسدهم وسيأخذان من الأبوين ما يحتاجانه من مأكل ومسكن ومال حتى يستقل الأولاد عن الأبوين فلا يوجد ما يربطهم بهم. العلاقات بين أركان الأسرة هذا الكيان المقدّس يتكوّن من أركان هم:(الأب والأم وهما زوج وزوجة أيضاً والأولاد ذكوراً وإناثاً) وإذا ما وسّعنا الدائرة فإنّ الجد للأب والأم، والجدّة للأب والأم، والأعمام والأخوال والعمّات والخالات وأبنائهم، فمن كلّ واحد توجد علاقة بينه وبين الباقي وعلى الجميع أن يحسن إدارة هذه العلاقة بأداء ما عليه من واجبات وآداب، فالأب هو: زوج، وأب لذكر، وأب لأنثى، وهو ابن أيضاً، وأخ لأخ، ولأخت.. فهذه كلّها تمثّل علاقات يعايشها في حياته اليوميّة؛ فكونه زوجاً فهذا يعني أنّ علاقة الزوجيّة تربطه بامرأة كانت أجنبيّة عليه وحلّت له بعقدٍ هو عقد النكاح وهذا العقد فيه بنود لازمة الاتباع كما هو مقرر في كتاب النكاح وغيره من الكتب الفقهية فيها واجبات وحقوق وآداب لا بد له أن يراعيها تجاه زوجته، ويعلم أنّه زوجٌ يتحمّل المسؤولية لا أنّه وجودٌ متسلّط في المنزل على زوجته وأولاده، وهكذا الحال في بقيّة العلاقات. حيثيّات في كلّ علاقة ولا بد من الالتفات إلى أنّ كلّ علاقة من هذه العلاقات لا بد من أخذها من عدّة حيثيات فعلاقة الزوج مع الزوجة -مثلاً- لا بد من أن يُلتفت فيها إلى: –       

الحيثيّة الفقهيّة: وهي لا تقف على الإنفاق والتمكين بل تتعدّاها إلى جملة من الإلزامات الواجب رعايتها في باقي المؤمنين من الغيبة والنميمة والاستخفاف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورعاية مال الآخر وعدم التعدّي عليه وغير ذلك. –       

الحيثية الأخلاقيّة: وهو شامل لكلّ الجنبات الأخلاقية القاضية بلزوم تبادل التقدير والاحترام بين الطرفين، وكذا ما يتعلّق بالأدوار المناطة بكلّ واحد من الطرفين تجاه الآخر، وحسن الظنّ بالآخر والتماس الأعذار إليه مع تبادل الثقة بين الأطراف التي هي في واقعها تعزّز الاحترام المتبادلوما إلى ذلك. –       

الحيثية النّفسية: وهو محاولة تفهم التقلّبات النّفسية لكلّ طرف من الآخر تبعاً للحالة الجسدية -كالحمل والدورة الشهرية وما يرافق المرأة فيها من آلام وتعب وحدّة في المزاج، أو ضغط الأولاد أو المرض..- أو للضغوط الاجتماعية أو ضغوط العمل أو غيرها من الأسباب القاضية بتغيّر المزاج وحدّته. وعين هذه الحيثيات وغيرها من اللازم رعايتها فيما يتعلّق بباقي العلاقات كالعلاقة بين الأب وابنه أو ابنته، أو هما مع أمّهما. ولا شكّ أن في رعاية هذه العلاقات وحسن إدارتها يلقي بظلاله على جميع الأفراد ويولّد الهدوء والسّكينة ويوفّر الأجواء الملائمة ليتكامل كلّ من الزوجين أولاً، وتنشأ أرضيّة خصبة للنشء في هذا الكيان المقدّس ليكون نشئاً صالحاً راسخاً على القيم والمبادئ الحقّة وصاحب فكر عالٍ ونفسيّة مطمئنّة. والمنطلق في هذه العلاقات بحيثيّاتها المختلفة لا بد أن تكون منحصرة في التعاليم الإسلاميّة التي لم تبقِ شيئاً إلا وقعّدت له القواعد وأرست له الدعائم وهذه التعاليم تكفل للجميع الحصول على حقّه بل تُلزم كلّ طرف أن يؤدّي واجباته والتزاماته تجاه الآخر وتحبّب له أداء الآداب للطرف الآخر. المودّة والحبّ والرحمة وهذا لا يعني أن تطبّق التعاليم بصورتها الصارمة بمعزل عن المودّة والحبّ والرحمة التي لا بد من وجودها في كلّ مفصل من مفاصل العلاقات الأسرية، ولا سيّما ما كان بين الزوجين منطلقين من قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([1]) فليس من الصالح للزوجين في علاقتهما أن يعتمدا على الإفراط في عنصر المحاسبة من كلّ طرف للآخر حتى على كلّ صغير وكبير من الخطأ أو التقصير فإنّ الحياة لا تستقيم بهذه الحدّة من دون التماس عذر للآخر أو صفح عنه أو تجاوز عن خطأه أو تقصيره. فإذا ما وجدت الرحمة والمودّة والحبّفإنّ كلّ واحد يرشد الآخر إلى تقصيره بالحكمة بلا جرح للمشاعر ولا توتّر في الجوّ الأسري مما له من انعكاس بيّنٌ على تربية الأبناء وصفاء الحياة الأسرية، وهذا أمر مهمّ جداً ينبغي على الزوجين لحاظه وإدامة تغذيته من خلال:- إطاعة الزوج -وحسن التبعّل -والتوسيع على العيال في المأكل والملبس -وتبادل البُشر وما حسُن من الكلام -والتكريم والتقدير لكلّ من الطرفين للآخر -وتحمّل إساءة الطرف الآخر وغيرها من العوامل التي من شأنها أن تزيد في المودّة بين الأطراف مما يمتّن العلاقات ويوطّدها. العلاقة بين الزوجين أهمّ العلاقات ولا بد من التركيز على العلاقة بين الزوجين فهي التي لا بد أن تكون أمتن علاقة في الأسرة لما لها من انعكاسات على جميع الأولاد بل حتى على الأحفاد فيما بعد، فهذه العلاقة إذا ما قامت على أسس متينة فإنّها تبنى بناءً قويّاً يجعل من الزوجين كياناً واحداً مكوّناً من طرفين يبذل كلّ واحد ما بوسعه للآخر لأنّه لا يراه إلا بعضه لا أنّه شيء آخر، وهذا يعني تكامل الزوجين بإعانة كلّ للآخر وإيجاد نموذج من العلاقة بين الزوجين يستفيد منها الأبناء ومن ثمّ الأحفاد وهكذا فيتعلّم الأولاد والأحفاد من هذه العلاقة. ولذا لا بد أن تبقى هذه العلاقة قويّة مهما تقادم الزمن، لا تفتر ولا تخفّ مهما اعتور الحياة الأسرية من المشاكل الحياتيّةالمختلفة، ولا بد أن تتميّز هذه العلاقة بتجدّد الحبّ فيها مما يلهب التواصل العاطفي بينهما الداعم للعلاقة نفسها وإبقائها قويّة متينة، وكلّما كانت المحبّة نابعة من القلب المتلّق بالله تعالى كلّما كانت أشدّ وأقوى؛ بمعنى أنّ المحبّ -من زوج وزوجة- إذا ما أحبّ الله تعالى أولاً وأحبّ الآخر في طول هذا الحبّ فإنّه ينطلق في حبّه للآخر من المنطلق الإلهي وهذا يعني أن يستحضر المحبّ الله في هذه العلاقة فلا يقصّر ولا يظلم ويؤدّي الحقوق والواجبات والآداب بصورتها الكاملة على أتمّ وجه -ولا بد من أن يتجلّى هذا الحب ويظهر عن طريق القول مع الفعل ولا يكفي إظهاره بالفعل فقط، ولا ينبغي البخل بهذه التعبيرات، وهنا تكمن ضرورة حسن التواصل بين الطرفين. الحضور الديني في العلاقات الأسرية وهنا عنصر مهم جدّاً أختم به للتأكيد وهو رعاية الجانب الديني كما أشرت إليه غير مرّة فيما تقدّم حيث نجعل محور هذه العلاقات هي الله  مما يحوّل هذه العلاقات إلى علاقات طاهرة ودافعة لكلّ الأطراف نحو الصلاح والقرب من الله تعالى.  ([1])الروم: 21.

One comment

اترك تعليقا